محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
132
في بيان الحاجة إلى الطب والأطباء ووصاياهم
ولمّا كان حال القوّتين المذكورتين على ما ذكرنا وقد عرفت أنّ الغذاء ليس شبيها بالمغتذي من كلّ وجه ، ولذلك صار الغذاء الوارد على البدن والهواء الوارد على القلب لا بدّ وأن يفضل منها فضلة ، ثمّ إنّ هذه الفضلة لو بقيت في البدن اجتمعت على مرّ الأيّام وغمرت الحرارة وقهرت القوّة وانغلبت « 1 » الأعضاء فبلطف « 2 » الخالق تعالى خلق لها أوعية تجتمع فيها ومجاري « 3 » تندفع منها وقوى تكسحها وتدفعها عن البدن ، ولذلك قيل : إنّ البدن بمنزلة دار الملك فيها حشم وقوّام وموكّلون بالدّار وخدمة الحشم ، فواحد منهم لقضاء حوائج الحشم وإيرادها عليهم ، وآخر لقبض ما يرد وحبسه إلى أن يعالج ويهيّأ ، وآخر لعلاج ذلك وتهيئته وتفريقه على القوّام ، وآخر لكسح ما في الدار ممّا لا يحتاج إليه وإخراجه ، فالملك هاهنا هو « 4 » القوّة المدبّرة للبدن ، والدار هي البدن ، والحشم هي الأعضاء الرئيسة ، والخدم هو الخوادم الأربع « 5 » التي هي الجاذبة والماسكة / [ 13 ب ] والهاضمة والدافعة ، فانظر إلى لطف اللّه تعالى وعنايته بهذه القسمة الضعيفة ، فإنّه لما سبق في علمه ضعف تركيب البدن « 6 » وقبوله
--> ( 1 ) وانقلبت : ط . - م . ( 2 ) فليلطف : ط . - م ، خطأ . ( 3 ) المجاري : المواضع التي يجري فيها الغذاء والفضلات إلى الأعضاء ، فمنها مجار واسعة ، مثل الأمعاء وجداول الكبد وعروق الكلية وغيرها ، ومنها ضيّقة مثل العروق والشرايين الدقيقة التي في دقّة الشعر مخالطة اللحم . القمري : التنوير ، ص 71 . ( 4 ) هي : ط . - م . ( 5 ) الحوادم الأربع : وتسمّى القوى الطبيعية الخادمة الصرفة ، وهي خوادم القوّة الغاذية ، خلقت لتجذب النافع من الطعام وتمسكه وتحوّله إلى قوام ومزاج صالح للاستحالة . ابن سينا : القانون ، ج 1 ، صص 66 - 72 . ( 6 ) بدنها : ط . - م .